الشيخ محمد هادي معرفة

120

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

هذا . ثمّ قال : وواللّه إنّ لقوله الذي يقول حلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنّه ليعلو وما يُعلى . . . وفي رواية الإصابة زيادة : « وما هذا بقول بشر » . وفي نسخة الغزالي : « وما يقول هذا بشر » . « 1 » ولمّا سمع عتبة بن ربيعة - وكان سيّدا في العرب - آيا من مفتتح سورة فصّلت ، قرأها عليه النبيّ صلى الله عليه وآله أتى معشر قريش ، فسألوه : ما وراءك ؟ قال : ورائي أنّي قد سمعت قولًا ، واللّه ما سمعت مثله قطّ ، واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة . « 2 » وهكذا أنيس بن‌جنادة ، لمّا بعثه أخوه أبو ذر ليستخبر من حالة النبيّ صلى الله عليه وآله وكان من أشعر العرب ، فلمّا رجع قال : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر ( أي أوزانه ) فما يلتئم على لسان أحد بعدي ( أي غيري ) أنّه شعر ، واللّه إنّه لصادق ، وإنّهم لكاذبون . « 3 » إلى غيرها من كلمات تنمّ عن رفيع شأن هذا الكلام الإلهي الخالد . . . وقد مرّت . « 4 » وتوضيحا لهذا الجانب من إعجاز القرآن البياني - في سبكه وأسلوبه - نقول : لا شكّ أنّه نثر ، لا كنثرهم ، أمّا من حيث اللفظ فإنّه رُصّع على أحسن ترصيع ، ورصفت كلماته وجمله وتراكيبه على أجمل ترصيف ، فيه جمال الشعر ووقار النثر وإجادة السجع الرصين ، مع قوّة البيان ورشاقة التعبير ، من غير أن يعتريه وهن أو ضعف ، في طول كلامه وتعدّد بياناته . وهكذا من حيث المعنى ، جاء بمعانٍ جديدة كانت مهجورة أو مطموسة ، فأحياها من جديد ، وأبان من مراميها ، وألقى الضوء على فلسفة الوجود وسرّ الحياة في المبدأ والمعاد ، فجاء بمعارف جليلة وتعاليم نبيلة ، أنار بها درب الحياة بما أذهل القلوب وأبهر العقول وأحار ذوي الألباب . وفي ذلك يقول العلّامة محمَّد عبداللّه دراز : أسلوب القرآن لا يعكس نعومة أهل المدن ولا خشونة أهل البادية ، وزن المقاطع فيالقرآن أكثر ممّا في النثر وأقلّ ممّا في

--> ( 1 ) - المستدرك على الصحيحين ، ج 2 ، ص 507 . ( 2 ) - سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 314 . ( 3 ) - شرح الشفا للقاري ، ج 1 ، ص 320 . ( 4 ) - راجع : الجزء الرابع من التمهيد ، « شهادات وإفادات » .